الأمن الدوائي في مصر بين التنظيم والرقابة.. سحب الأدوية منتهية الصلاحية وتحذيرات من فوضى الدواء البيطري

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة الدواء في مصر، تتصدر قضايا سلامة الدواء وضبط الأسواق قائمة الأولويات، سواء فيما يتعلق بالأدوية البشرية أو البيطرية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لحماية الصحة العامة والأمن الغذائي. وفي هذا السياق، أطلق الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، سلسلة من التصريحات التحذيرية، كشف خلالها عن خطوات تنظيمية مهمة اتخذتها الدولة من جهة، ومخاطر جسيمة تهدد السوق من جهة أخرى، في حال غياب الرقابة الحاسمة.
أولًا: الدواء البيطري.. جودة التصنيع وأزمة ما بعد التداول
أكد الدكتور علي عوف أن الدواء البيطري المنتج في مصر يتمتع من حيث الأصل بجودة معروفة، مشددًا على أن الأزمة لا تكمن في التصنيع، وإنما تبدأ بعد نزول المنتج إلى الأسواق، حيث تتراجع الرقابة وتفتح الأبواب أمام الغش والتلاعب.
وأوضح أن دور الطبيب البيطري يقتصر على الاستخدام والمتابعة، بينما تقع مسؤولية تسجيل وتصنيع الدواء على الجهات المختصة بالدولة، مشيرًا إلى أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية تتحمل مسؤولية تنظيم تداول الأدوية البيطرية، إلى جانب الجهات الرقابية الأخرى، إلا أن الواقع الحالي يكشف عن ضعف واضح في آليات الضبط.
وأشار رئيس شعبة الأدوية إلى أن المصانع الكبرى العاملة في القطاع دقت ناقوس الخطر، واستغاثت بكافة الجهات المعنية، ولجأت بالفعل إلى الهيئة العامة للخدمات البيطرية، إلا أن الأزمة الحقيقية تبدأ مع طرح المنتج في السوق، حيث لا توجد رقابة فعالة تضمن عدم غش الدواء أو تخفيفه.
وأوضح أن بعض الممارسات لا تتوقف عند تخفيف المواد الفعالة، بل تمتد إلى تصنيع أدوية من مواد أخرى تمامًا، مثل السيراميك وغيرها، وهو ما يؤدي إلى أضرار جسيمة للحيوانات، ويشكل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان عند استهلاك اللحوم والدواجن الناتجة عنها.
انعكاسات خطيرة على الثروة الحيوانية والصحة العامة
وحذر عوف من أن الوضع الحالي «يؤدي إلى الإضرار بالثروة القومية، ويؤثر سلبًا على الصحة العامة، وعلى الثروة الحيوانية بشكل مباشر»، مشددًا على أن المواطن هو الحلقة الأضعف والأكثر تضررًا في هذه المنظومة المختلة.
وأضاف أن الغش لا يقتصر على نوع واحد من الأدوية، بل يشمل مضادات حيوية ومسكنات ومواد خام، بعضها يدخل بطرق رسمية، والبعض الآخر يتم تهريبه من الخارج، فضلًا عن وجود مصانع غير مرخصة تعمل تحت السلم، وهو ما يجعل ضبط السوق مهمة شديدة التعقيد.
كما أشار إلى حالة التداخل والارتباك بين الجهات المختلفة، بما في ذلك المعارض البيطرية التابعة لوزارة الزراعة والصيدليات البيطرية، وهو ما ساهم في خلق سوق غير منضبط يفتقر إلى قواعد واضحة للمساءلة.
مطالب بلجنة عليا لإنقاذ ملف الدواء البيطري
وكشف رئيس شعبة الأدوية عن إعداد كراسة متكاملة تم رفعها إلى الوزراء المعنيين، تضمنت الدعوة إلى تشكيل لجنة عليا لتنظيم ملف الدواء البيطري، سواء من حيث التداول أو الرقابة، على أن تضم وزارات الصحة والزراعة والمالية، وهيئة التنمية الصناعية، والمجلس القومي المختص.
وأشار إلى أنه حتى الآن لم يصدر أي رد رسمي من الجهات المعنية، رغم استمرار المشكلات ومعاناة المصانع، محذرًا من أن استمرار تجاهل هذا الملف سيضاعف الخسائر الاقتصادية والصحية.
ثانيًا: سحب الأدوية منتهية الصلاحية.. خطوة لحماية المواطن
وفي ملف موازٍ لا يقل خطورة، أكد الدكتور علي عوف أن قرار سحب الأدوية منتهية الصلاحية من السوق المصري يُعد خطوة تنظيمية مهمة أصدرتها رئيس هيئة الدواء، مع وضع آلية واضحة للتنفيذ عبر الصيدليات، وبالتوازي مع تعويض الصيادلة عن الخسائر الناتجة عن عملية السحب.
وأوضح أن الهدف الأساسي من القرار هو حماية صحة المواطنين ومنع أي احتمالات لإعادة تداول الأدوية غير الصالحة، مشيرًا إلى أن هيئة الدواء ستتولى الإعدام الرسمي للأدوية المنتهية الصلاحية، بما يضمن خروجها نهائيًا من السوق.
مواجهة إعادة تدوير الدواء وحماية السوق
ولفت إلى أن تراكم الأدوية منتهية الصلاحية داخل الصيدليات خلال الفترات الماضية أدى إلى ظهور شبكات تستغل هذا الوضع في إعادة تدوير الدواء وتغيير تواريخ صلاحيته وطرحه للبيع مجددًا، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين، خاصة مع تحول هذه الأدوية إلى مركبات ضارة تؤثر على الكبد والكلى وسائر أجهزة الجسم.
وشدد رئيس شعبة الأدوية على أن التنفيذ الصارم لقرار السحب من شأنه غلق هذا الباب نهائيًا، وضمان التزام السوق بالقوانين والاشتراطات الصحية، مؤكدًا أن ضبط منظومة الدواء لا يحتمل أنصاف الحلول.
الأمن الدوائي مسؤولية مشتركة
واختتم عوف تصريحاته بالتأكيد على أن الأمن الدوائي في مصر مسؤولية مشتركة بين الدولة والجهات الرقابية والمصنعين والصيادلة، مشددًا على أن أي تراخٍ في الرقابة، سواء في الدواء البشري أو البيطري، ينعكس بشكل مباشر على صحة المواطن والأمن الغذائي والثروة القومية.




