Uncategorizedتوب ستوري

رئة تتنفس على شريحة.. ثورة بريطانية في فهم أمراض الصدر

في خطوة علمية غير مسبوقة، نجح باحثون من معهد فرانسيس كريك في لندن في تطوير نموذج مصغّر للرئة البشرية يحاكي وظائف الرئة الحقيقية، من التنفس إلى التفاعل المناعي والاستجابة للعدوى، في إنجاز يُتوقع أن يُحدث تحولًا جذريًا في أبحاث أمراض الجهاز التنفسي.

ووفقًا لتقرير صادر عن معهد فرانسيس كريك، قاد الفريق البحثي العالم ماكسيميليانو غوتييريز لتطوير تقنية تُعرف باسم «الرئة على شريحة»، تعتمد على خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات مأخوذة بالكامل من شخص واحد، ما يضمن تطابقًا وراثيًا كاملًا بين خلايا الرئة والجهاز المناعي داخل النموذج.

هذا التطابق أتاح للعلماء فرصة نادرة لمراقبة كيفية تفاعل الرئة البشرية مع العدوى بشكل فردي، دون تشويش ناتج عن اختلاف الخلفيات الجينية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في أبحاث الطب الدقيق.

كيف صُنعت الرئة المصغرة؟

اعتمد الباحثون على إعادة بناء الحويصلات الهوائية، وهي الوحدات المسؤولة عن تبادل الغازات داخل الرئتين، عبر توليد خلايا طلائية سنخية من النوعين الأول والثاني، إلى جانب خلايا بطانية تمثل الحاجز بين الهواء والدم.

وتم ترتيب هذه الخلايا على جانبي غشاء بالغ الدقة داخل جهاز متطور يحاكي التركيب البيولوجي للرئة البشرية. ولتعزيز الواقعية، أُضيفت حركة تمدد وانقباض منتظمة ثلاثية الأبعاد، تحاكي عملية التنفس الطبيعي، ما حفّز الخلايا على أداء وظائفها الحيوية بكفاءة، لتتحول الشريحة إلى نظام حي نابض.

رصد العدوى في بدايتها الخفية

لمحاكاة الاستجابة المناعية، أضاف الفريق خلايا بلعمية مشتقة من الخلايا الجذعية ذاتها، لتقوم بدور الدفاع الأول ضد الميكروبات. وعند تعريض النموذج لبكتيريا السل، ظهرت خلال أيام قليلة تجمعات خلوية تشبه تلك التي تتكون في المراحل الأولى من المرض داخل رئة الإنسان.

الأهم أن النموذج أتاح للباحثين مراقبة ما يُعرف بـ«المرحلة الصامتة» من العدوى، وهي الفترة التي تسبق ظهور الأعراض، والتي ظلّت عصيّة على الدراسة في النماذج الحيوانية والتجارب التقليدية.

نقلة نحو الطب الشخصي

تكمن القيمة الحقيقية لهذا الابتكار في قدرته على تمهيد الطريق للطب الشخصي، حيث يمكن مستقبلاً تصميم رئة مصغّرة خاصة بكل مريض لدراسة استجابته الفريدة للأمراض والعلاجات.

وفي هذا السياق، تمكن الباحثون من تعديل جين يُدعى ATG14، مسؤول عن التخلص من الخلايا التالفة، ولاحظوا أن غيابه يجعل الخلايا المناعية أكثر عرضة للموت وأقل قدرة على مقاومة العدوى، ما يسلط الضوء على دور العوامل الوراثية في تطور مرض السل.

بديل واعد للتجارب الحيوانية

ويرى العلماء أن «الرئة على شريحة» قد تصبح بديلًا أكثر دقة وأخلاقية للتجارب على الحيوانات، التي تعاني من فروق بيولوجية كبيرة مقارنة بالإنسان، ما يحد من دقة نتائجها.

التقنية الجديدة توفّر بيئة تحاكي الرئة البشرية على المستويين الخلوي والجزيئي، ما يجعلها منصة مثالية لاختبار الأدوية الجديدة وتطوير علاجات أكثر فاعلية.

آفاق أوسع من السل

ورغم تركيز الدراسة على مرض السل، يؤكد الباحثون أن استخدامات هذا النموذج تمتد إلى أمراض تنفسية عديدة، مثل الالتهابات الفيروسية، وسرطان الرئة، والتليف الرئوي.

كما يتوقع العلماء أن يؤدي دمج هذه التقنية مع أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بناء نماذج رقمية قادرة على التنبؤ بتطور المرض واستجابة المريض للعلاج، قبل البدء في أي تدخل طبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى